محمد حسين الذهبي
436
التفسير والمفسرون
« وكتاب ابن عطية أنقل وأجمع وأخلص ، وكتاب الزمخشري ألخص وأغوص ، إلا أن الزمخشري قائل بالطفرة ، ومقتصر من الذؤابة على الوفرة ، فربما سنح له آبى المقادة فأعجزه اعتياصه ، ولم يمكنه لتأنيه اقتناصه ، فتركه عقلا لمن يصطاده ، وغفلا لمن يرتاده . وربما ناقض هذا المنزع ، فثنى العنان إلى الواضح والسهل اللائح ، وأجال فيه كلاما ، ورمى نحو غرضه سهاما . هذا مع ما في كتابه من نصرة مذهبه ، وتقحم مرتكبه ، وتجشم حمل كتاب اللّه عز وجل عليه ، ونسبة ذلك إليه ، فمغتفر إساءته لإحسانه ، ومصفوح عن سقطه في بعض ، لإصابته في أكثر تبيانه » ا ه « 1 » مقالة الشيخ حيدر الهروي : كذلك نجد للشيخ حيدر الهروي - أحد الذين علقوا على الكشاف - وصفا دقيقا لكتاب الكشاف وهذا نصه : . . . وبعد ، فإن كتاب الكشاف ؛ كتاب علىّ القدر رفيع الشأن ، لم ير مثله في تصانيف الأولين ؛ ولم يرد شبيهه في تآليف الآخرين . اتفقت على متانة تراكيبه الرشيقة كلمة المهرة المتقنين واجتمعت على محاسن أساليبه الأنيقة ألسنة الكلمة المفلقين . ما قصر في قوانين التفسير وتهذيب براهينه . وتمهيد قواعده وتشييد معاقده . وكل كتاب بعده في التفسير ، ولو فرض أنه لا يخلو عن النقير والقطمير ، إذا قيس به لا تكون له تلك الطلاوة ، ولا يوجد فيه شئ من تلك الحلاوة ، على أن مؤلفه يقتفى أثره ، ويسأل خبره . وقلما غير تركيبا من تراكيبه إلا وقع في الخطأ والخطل . وسقط من مزالق الخبط والزلل ، ومع ذلك كله إذا فتشت عن حقيقة الخبر ، فلا عين منه ولا أثر ؛ ولذلك قد تداولته أيدي النظار ، فاشتهر في الأقطار ، كالشمس في وسط النهار ، إلا أنه لإخطائه سلوك الطرق الأدبية ، وإغفاله عن إجمال أرباب الكمال . أصابته عين الكلالة . فالتزم في كتابه أمورا أذهبت رونقه وماءه ، وأبطلت منظره
--> ( 1 ) البحر المحيط ج 1 ص 10 .